ابن سبعين
443
رسائل ابن سبعين
وربّ دليل في قليل ورب إعثار في إكثار ، وقد تخلصت والحمد للّه ، وهي موجبة لك موسومة برسمك ، فإنها جواب عنوان كتابك المكتوب فيه إن اللّه يقول : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ [ الشورى : 25 ] . وفي مقولة له عزّ وجلّ : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ [ آل عمران : 134 ] ، الآية ، وتصلك صحبة حاملها إن شاء اللّه تعالى فتصفّحها واخدمها بذهنك وهمتك وعزمك وحرصك وأدبك وشوقك وصبرك واللّه يعينك عليها وعلى أولها وآخرها ووسطها ، وبفضلك اقبل عذري فيها ، فإنني كنت في كتبها مشتّت الخاطر بالداخل إليّ والخارج عني ، والدائر علي بمكر العدو القريب مني ، وكان قلبي يمر على القرطاس في غير قصد ولا عين ، وذهني برود الأشخاص بغير وهم على عين . وبالجملة : الإنسانية منقسمة : منها ما يبصر الذئاب الوحشية والإنسية ، ومنها ما يتوقع الأكوان المهلكة المعنوية والحسية ، وبالجملة : حركة الخاطر الباطنة لا سكون لها في الخبر ، وحركة الظاهر في الخارج تقطع أحيازها قبل الطرق ، والأمر كله للّه ، وو اللّه ما عندي من غير اللّه خبر ، وكل مخوف ذكرته هو اللّه ، وأفعاله خاصة ونفسي مطمئنة ، وجملتي آمنة ، فآنس جملتك ولا تخف ، وتيقن أن كل ما ذكرته لك قبل من أنواع التوقع هو من أجل الشريعة والحكمة ، فاعلم هذا كله وتخلّق به إن شاء اللّه تعالى . واعلم أن القسم عند المحققين ينقسم على سبعة أقسام ، وكل قسم يكفر إذا وقع الحنث به ، وينتقل منه إلى الأصلح والأكمل . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حلفت على شيء ورأيت خيرا منه إلا كفرّت عن يميني وأتيت الذي هو خير » « 1 » ، إلا القسم بسر التحقيق وبالهويات الصاعدة والآنيات الممتدة وبالاسم الأعظم عقبها ، والكفارات منها ما يكون مثل المعروفة التي يعرفها الكل ، ومنها ما هو بغيره ، فإذا سمعتني نحلف بما نذكره لك ، فلا تحنثني ، وإياك والوهم والغلط الذي يحول بين المحب ومحبوبه ، والوالد وولده والمرء وزوجته ، وغير القسم المحرم الذي عرفتك به ، واطلب في الانتقال عنه واسمح في ضد متعلقه ، ونسعفك فيه بكل أنواع الكفارات المعروفة وغير المعروفة ، وقد نصحتك ، وهذه مقدمة قدمتها عندك لأمور تحتاج إليها بعدها ، فافهم . وكل من نهجره ولا نقسم عليه بالقسم المذكور وتكون مقاطعته وهجرته بالعرض ،
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2470 ) ، مسلم ( 3 / 1268 ) .